أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

353

العقد الفريد

اللّه تبارك وتعالى أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليا ؟ قلت : بلى . قال : فهل بلغك أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم دعا أحدا من الصبيان من أهله وقرابته - لئلا تقول إن عليا ابن عمه - ؟ قلت : لا أعلم ولا أدري فعل أو لم يفعل . قال : يا إسحاق ، أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه هل تسأل عنه ؟ قلت : لا . قال : فدع ما قد وضعه اللّه عنا وعنك . قال : ثم أيّ الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام ؟ قلت : الجهاد في سبيل اللّه . قال : صدقت ، فهل تجد لأحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما تجد لعلي في الجهاد ؟ قلت : في أي وقت ؟ قال : في أي الأوقات شئت ! قلت : بدر ؟ قال : لا أريد غيرها ؛ فهل تجد لأحد إلا دون ما تجد لعليّ يوم بدر ؟ أخبرني : كم قتلى بدر ؟ قلت : نيف وستون رجلا من المشركين . قال : فكم قتل عليّ وحده ؟ قلت : لا أدري . قال : ثلاثة وعشرين ، أو اثنين وعشرين ؛ والأربعون لسائر الناس . قلت : يا أمير المؤمنين كان أبو بكر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في عريشه « 1 » . قال : يصنع ما ذا ؟ قلت : يدبّر ، قال : ويحك ! يدبّر دون رسول اللّه أو معه شريكا ، أو افتقارا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى رأيه ؟ أي الثلاث أحب إليك ؟ قلت : أعوذ باللّه أن يدبر أبو بكر دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو يكون معه شريكا ، أو أن يكون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم افتقار إلى رأيه . قال : فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك ؟ أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول اللّه أفضل ممن هو جالس ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، كلّ الجيش كان مجاهدا . قال : صدقت ، كل مجاهد ؛ ولكن الضارب بالسيف المحامي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعن الجالس ، أفضل من الجالس ؛ أما قرأت كتاب اللّه : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً « 2 » . قلت : وكان أبو بكر وعمر مجاهدين قال : فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد ؟ قلت : نعم . قال :

--> ( 1 ) العريش : ما يستظل به . والسقف . ( 2 ) سورة النساء الآية 95 .